محمد متولي الشعراوي

3180

تفسير الشعراوى

إذن ف « مهيمن » هو قيم وشاهد ورقيب . وما دام القرآن قد جاء مصدقا لما بين يديه من الكتاب فعلى أي مجال يهيمن ؟ نحن نعرف مدلول الكتاب بأنه نزل من عند اللّه ، فإن بقي الكتاب الذي نزل من عند اللّه كما هو فالقرآن مصدق لما به ، أما إن لعبت في ذلك المنهج أهواء البشر فالقرآن مهيمن لأنه يصحح المنهج وينقيه من أهواء البشر . « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » . و « احكم » مأخوذة من مادة « حكم » ، و « الحكمة » هي قطعة الحديد التي توضع في فم الحصان ونربطها باللجام ؛ حتى نتحكم في الحصان . والحكمة هي ألا تدع المحكوم يفلت من إرادة الحاكم . وحين يقول الحق : « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » فهل يحدث ذلك أيضا مع غير المؤمنين ؟ نعم . فإذا ما جاء إليك يا رسول اللّه أناس غير مؤمنين وطلبوا أن تحكم بينهم فاحكم بما أنزل اللّه . ولذلك قال الحق : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ( من الآية 42 سورة المائدة ) لكن لماذا جاءوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برغم عدم إيمانهم به ؟ جاءوا إلى الرسول ليحكم بينهم ؛ لأنهم ألفوا أن يبيحوا ما حرم اللّه بشهوات الدنيا وأخذوا لأنفسهم سلطة زمنية ، وما داموا قد أخذوا لأنفسهم سلطة زمنية أنستهم حكم اللّه . وأرادوا - على سبيل المثال - أن يخرجوا على حكم الرجم وتخفيفه ، ولذلك ذهبوا إلى النبي ، فإن حكم هو بالتخفيف أخذوا بالحكم المخفف ، وإذا لم يحكم بالتخفيف فهم لن يأخذوا الحكم ، هم ذهبوا إليه صلّى اللّه عليه وسلم بقصد التيسير وقالوا له : أنت تعلم أن لنا سلطانا وأن لنا نفوذا ونحن نريد أن تحكم لنا لأنك عندما تحكم لنا سنؤمن بك وبعد ذلك تأتى إليك باقي جماعتنا ليؤمنوا بك ويتبعوك . لقد رفض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك تطبيقا لقول الحق : « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ » فإذا كان عندهم كتاب التوراة مصونا من التحريف ، فالرسول يشير عليهم بالحكم الموجود في التوراة ، ولذلك عندما استدعى صلّى اللّه عليه وسلّم أعلم علمائهم بالتوراة حاول بعضهم أن يضع يده على